الشنقيطي
495
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقد جاءت آيات من كتاب اللّه مبينة لوجه الجمع بين هذه الآيات ، التي قد يظن غير العالم أن بينها اختلافا ، اعلم أولا أن للسؤال المنفي في قوله هنا فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ ( 39 ) ، وقوله وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ( 78 ) أخص من السؤال المثبت في قوله فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 92 ) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ( 93 ) ، لأن هذه فيها تعميم السؤال في كل عمل ، والآيتان قبلها ليس فيهما نفي السؤال إلا عن الذنوب خاصة ، وللجمع بين هذه الآيات أوجه معروفة عند العلماء . الأول منها : وهو الذي دل عليه القرآن ، وهو محل الشاهد عندنا من بيان القرآن بالقرآن هنا ، هو أن السؤال نوعان : أحدهما سؤال التوبيخ والتقريع وهو من أنواع العذاب ، والثاني هو سؤال الاستخبار والاستعلام . فالسؤال المنفي في بعض الآيات هو سؤال الاستخبار والاستعلام ، لأن اللّه أعلم بأفعالهم منهم أنفسهم كما قال تعالى : أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ [ المجادلة : 6 ] . وعليه فالمعنى لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ، سؤال استخبار واستعلام لأن اللّه أعلم بذنبه منه . والسؤال المثبت في الآيات الأخرى هو سؤال التوبيخ والتقريع ، سواء كان عن ذنب أو غير ذنب ، ومثال سؤالهم عن الذنوب سؤال توبيخ وتقريع قوله تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 106 ) [ آل عمران : 106 ] ، ومثال سؤال غير ذنب قوله تعالى : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ( 24 ) ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ ( 25 ) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ( 26 ) [ الصافات : 24 - 26 ] وقوله تعالى يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ( 13 ) هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ( 14 ) أَ فَسِحْرٌ هذا [ الطور : 13 - 15 ] الآية ، وقوله أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ [ الأنعام : 130 ] . أما سؤال الموءودة في قوله : وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ ( 8 ) [ التكوير : 8 ] فلا يعارض الآيات النافية السؤال عن الندب ، لأنها سئلت عن أي ذنب قتلت وهذا ليس من ذنبها ، والمراد بسؤالها توبيخ قاتلها وتقريعه ، لأنها هي تقول لا ذنب لي ، فيرجع اللوم على من قتلها ظلما . وكذلك سؤال الرسل ، فإن المراد به توبيخ من كذبهم وتقريعه ، مع إقامة الحجة عليه بأن الرسل قد بلغته ، وباقي أوجه الجمع بين الآيات لا يدل عليه قرآن ، وموضوع هذا الكتاب بيان القرآن بالقرآن ، وقد بينا بقيتها في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في أول سورة الأعراف . وقد قدمنا طرفا من هذا الكتاب المبارك في سورة الأعراف في الكلام على قوله